في الشارع السوري، كثيرًا ما تسمع العبارة الشهيرة: “ما في شي تغيّر”. عبارة تبدو بسيطة، لكنها تحمل في طياتها موقفًا فلسفيًا ونفسيًا عميقًا. كيف يمكن أن يُقال ذلك، رغم أن النظام القمعي البائد قد زال، ورغم أن عهدًا جديدًا بدأ، ورغم أن الحكومة الحالية تحقق تقدّمات في مجالات مختلفة؟ لماذا يرفض الناس الاعتراف بالتغيير، حتى
في الشارع السوري، كثيرًا ما تسمع العبارة الشهيرة: “ما في شي تغيّر”. عبارة تبدو بسيطة، لكنها تحمل في طياتها موقفًا فلسفيًا ونفسيًا عميقًا. كيف يمكن أن يُقال ذلك، رغم أن النظام القمعي البائد قد زال، ورغم أن عهدًا جديدًا بدأ، ورغم أن الحكومة الحالية تحقق تقدّمات في مجالات مختلفة؟ لماذا يرفض الناس الاعتراف بالتغيير، حتى حين يكون حاضرًا أمام أعينهم؟
1. التوقعات المبالغ فيها
أحد الأسباب الجوهرية هو أن الناس ربطوا فكرة التغيير بالتحولات الفورية والدراماتيكية. كانوا يتوقعون أن سقوط النظام سيعني مباشرةً حياة أفضل، رواتب أعلى، خدمات مثالية، وحرية مطلقة. لكن التغيير الحقيقي بطبيعته تدريجي، يحتاج إلى وقت، ويُبنى على تراكمات. وحين لا تتطابق النتائج مع التوقعات المبالغ فيها، يشعر الناس أن “لا شيء تغيّر”، حتى لو كانت هناك خطوات ملموسة.
2. البنية الذهنية الموروثة
النظام السابق لم يكن مجرد سلطة سياسية، بل كان منظومة ثقافية ونفسية شكّلت وعي الناس لعقود. هذا الوعي الموروث يجعل الفرد يرى العالم بعين الشك والخذلان. حتى حين يحدث تغيير، يظل العقل أسيرًا لفكرة أن “كل شيء سيبقى كما هو”. إنها أشبه ببرمجة ذهنية جماعية، تحتاج إلى وقت طويل لتتحرر.
3. غياب التغيير في التفاصيل اليومية
الناس لا يقيسون التغيير بالقوانين أو الخطط الحكومية، بل بما يلمسونه في حياتهم اليومية: الكهرباء، الماء، التعليم، الصحة، فرص العمل. فإذا لم ينعكس التغيير مباشرة على هذه التفاصيل، فإنهم يعتبرونه غير موجود. هنا يظهر التناقض: قد تكون هناك إصلاحات هيكلية مهمة، لكنها غير مرئية للناس لأنها لم تصل بعد إلى مستوى التجربة اليومية.
4. التحيّز الإدراكي (Cognitive Bias)
من منظور علم النفس الاجتماعي، الإنسان يميل إلى رؤية ما يؤكد قناعاته السابقة. فإذا كان مقتنعًا أن “ما في شي رح يتغيّر”، فسيرى كل خطوة جديدة على أنها مجرد إعادة إنتاج للماضي. هذا التحيّز الإدراكي يجعل التغيير غير مرئي، حتى لو كان قائمًا بالفعل. إنه نوع من “العمى النفسي” الذي يحجب الحقائق خلف قناعات راسخة.
5. الخوف من الاعتراف بالتغيير
هناك أيضًا بُعد فلسفي: الاعتراف بالتغيير يعني الاعتراف بالمسؤولية. فإذا كان هناك عهد جديد، فهذا يعني أن على الناس أن يتفاعلوا معه، أن يبادروا، أن يشاركوا في البناء. لكن كثيرين يفضلون البقاء في موقع الضحية، لأن ذلك يريحهم من عبء المسؤولية. لذلك يرفضون رؤية التغيير، ويصرّون على أن “لا شيء تغيّر”، ليظلوا في موقع المتفرج لا الفاعل.
أمثلة واقعية
- حين تُطلق الحكومة مشاريع لإعادة الإعمار، يقول البعض: “هذه مجرد وعود”، رغم أن الأبنية تُشيّد بالفعل.
- حين تتحسن بعض الخدمات تدريجيًا، يرد الناس: “ما في شي تغيّر”، لأنهم يقيسون التغيير على الصورة المثالية التي رسموها في ذهنهم.
- حتى في المجال السياسي، حين تُفتح مساحات جديدة للحوار، يرفض البعض الاعتراف بها، لأنهم لا يزالون أسرى صورة الماضي.
الخاتمة: التغيير موجود لكنه غير مُدرَك
الحقيقة أن التغيير موجود، لكنه لا يُرى لأن الناس ينظرون إليه بعين الماضي، لا بعين الحاضر. إنهم يقيسون الحاضر على توقعات مثالية، لا على الواقع التدريجي. لذلك، فإن السؤال ليس: هل حدث التغيير؟ بل: هل نحن مستعدون لرؤيته؟
إن رفض رؤية التغيير ليس دليلًا على غيابه، بل على أزمة إدراك جماعية تحتاج إلى ثورة معرفية ونفسية. فالتغيير يبدأ حين يتحرر الإنسان من برمجة الماضي، ويقبل أن النهضة لا تأتي دفعة واحدة، بل تُبنى خطوة بخطوة، يومًا بعد يوم.

















Leave a Comment
Your email address will not be published. Required fields are marked with *